2010-09-09 11:23:31
عوانس في قفص الاتهام .. قصص خجولة .. وذكريات مؤلمة

يبدو أن حركة التطور الاجتماعي في مفهومها العام مازالت تعاني من خلل كبير فيما يتعلق بالمشكلات الإنسانية للمرأة. وخاصة في موضوع الفتاة العانس التي تمتهن كرامتها في أغلب الأحيان وتحرم من حقوقها التي تكافح في الحياة من أجلها،

فنجد أن الفتيات اللواتي تزوجن وأنجبن أطفالاً، راضيات ومسلمات بغض النظر عن احترام الزوج لها أم لا وإذا أخذنا النساء اللواتي لم يتزوجن وأصبحت أعمارهن تتجاوز الأربعين في هذه المرحلة تقف على عتبة اليأس منتظرة اضطرابات نفسية كثيرة تزعزع كيانها وتجعلها أكثر عدوانية تجاه كل شيء، هكذا ينظر لها. حينئذ تتهم من فاتها قطار الزواج بأنها تعيسة وتوزع تعاستها على كل من حولها وتجعلها فريسة سهلة للهموم والآلام التي تتملكها باستمرار عدا ذلك ينظر إليها المجتمع على أنها عدوانية وغير مرغوب بها بالرغم من أنها قد تكون منتجة ومعطاءة، فكيف التي لاتعمل وتقضي كامل وقتها في المنزل مع إخوتها وزوجاتهم اللواتي يتعاملن معها بكل فوقية على الرغم من أنها تقوم بأعمال كثيرة داخل المنزل من تنظيف وتربية أطفال والجلوس معهم، فالعانس لاينظر إليها النظرة التي تستحقها سواء في المجتمع أو في المنزل، بل يعتبرونها هدامة للبيوت معقدة ومثيرة للمشكلات وينعوتها أيضاً(بالنكاشة) لجهلهم بالظروف التي مرت بها خلال فترة صباها، فأغلب حالات العنوسة ناتجة عن الظلم والقهر والخداع من قبل مايسمى بالحبيب أو فارس الأحلام المنتظر يرتبطون بهن لفترات طويلة ثم يغدرون، يوهمون ضحاياهم بالحياة السعيدة التي يملؤها الحب والحنان ثم يهربون مع أخريات دون وازع من ضمير يردعهم عدا ذلك تلعب الظروف الاجتماعية دوراً رئيسياً في عنوسة الفتاة، فكم من فتاة ضحت من أجل إعالة والديها أو إخوتها الصغار، فدفعت بذلك ثمناً باهظاً من عمرها وشبابها وأنوثتها وأمومتها التي تتمناها في كل لحظة، فقطارها الهارب، والمسرع دون توقف إلى محطة المجهول لايحمل في عرباته الفولاذية سوى ذكريات مؤلمة وداميةومستقبل مظلم تتلاطم فيه أمواج التعاسة التي تتقاذفها من شاطىء إلى آخر دون رحمة.‏

للعنوسة أسباب‏

1- اجتماعية : تتلخص في عدم قدرة اختلاط الفتاة مع أصدقائها من الجنس الآخر سواء في المدرسة أو الجامعة أو الحقل، عدا ذلك تعيش في بيئة ممزقةأو قد تكون معيلة لأسرة في ظل غياب الأبوين. تقول الفتاةع.س العمر/45/ عاماً: أنا من أسرة معروفة في القرية وأكملت تعليمي حتى الصف الثامن وكنت من المتفوقات في المدرسة. ولكن بوفاة والدي ووجود أربعة إخوان صغار في المنزل. اضطررت إلى ترك المدرسة والعمل لمساعدة والدتي في أمور الحياة، فالمنزل مستأجر وإخوتي بحاجة للطعام واللباس والتعليم ساعدتهم جميعاً ثلاثة منهم تزوجوا واستقروا والآخر طالب في الجامعة. مرت السنون دون أن أحس بنفسي حاولت الكثير لأن أعيد الزمن إلى الوراء قليلاً لكن دون جدوى وبعد فوات الأوان بالرغم من ذلك فأنا سعيدة جداً لأني استطعت أن أصل بأسرتي إلى بر الأمان فهم يحترمونني جداً مقدرين الجهد الكبير الذي بذلته من أجل راحتهم وسعادتهم.‏

الفتاة ك.ن قالت: أبلغ من العمر/41/ عاماً منذ نعومة أظفاري وأنا أعايش الهم والنكد في المنزل لأن والديّ على خلاف مستمر بسبب غيرة والدتي المفرطة عليه، وحتى هذه اللحظة مازلت وإخوتي نصارع الألم الذي لن ينتهي إلا بالموت فكرهت الحياة ومن عليها وحاولت الانتحار عدة مرات للخلاص من الواقع المرير الذي أعايشه يومياً في المنزل.‏

و.ح موظفة من أسرة ميسورة الحال تحمل إجازة في الأدب الإنكليزي قالت: تقدم لخطبتي الكثير من الشبان منهم الطبيب والاستاذ وزميل لي في العمل ولكن في كل مرة من يعجب أمي لايعجب والدي والعكس لأن الرأي الأول والأخير ليس لي بالتأكيد بل للمجتمع، فالحكم للرجل والرأي للأب الذي يرفض باستمرار، فتارة هذا قصير وذاك طويل وهذا ليس من عائلة معروفة والآخر لايسمح له وضعه المادي لبناء منزل وتكوين أسرة فكرهت الزواج والرجال لأجل أهلي.‏

أما الأسباب النفسية: فتكون ناتجة عن تجارب سابقة مع الحبيب أو الخطيب نتيجة لعلاقة طويلة أدت إلى الانفصال إثر خلاف نشب بينهما، أو أسباب جسمانية تتعلق بالفتاة نفسها ومقاييس الجمال عندها فتبدو منغلقة دائماً ومنطوية على نفسها ومشاركتها في المناسبات قليلة جداً وخاصة في أوقات زواج صديقاتها أو أحد أقربائهامن الجنسين بالإضافة إلى عدم معرفة مواصفات فارس الأحلام المنتظر.‏

د.خ فتاة في العقد الخامس من عمرها مدرسة متميزة تقول بعد أن أنهيت تعليمي الجامعي تقدم لخطبتي أحد الشبان فوافقت مباشرة كوني أعرفه جيداً خلال سنوات الدراسة الجامعية وكانت بيننا علاقة صداقة فقط ثم تطورت إلى حب حقيقي بهدف الزواج وتم الاتفاق بين أهلي وذويه أن يكون موعد العرس بعد ستة أشهر من الخطوبة. خلال هذه الفترة سافر إلى بريطانيا لإكمال تعليمه العالي ففرحت في البداية وبدأت أحلم بأنني سأقيم معه لفترة أيام دراسته، بعد عام عاد من السفر أخبرته بأن نتزوج فبدأ بوضع العراقيل، انتظرت عاماً آخر دون أن يحصل أي شيء وبعد ثلاثة أعوام عاد من السفر ففوجئت بعدها بأنه متزوج وعنده طفلة من إحدى الفتيات البريطانيات التي تنحدر من أصول عربية، حينئذٍ كرهت العالم والرجال وكل شيء لأنني أحسست بالغدر والخيانة.‏

ب.م طالبة معهد العمر /43/ عاماً قالت: أنا من أسرة فقيرة الحال وشبه معدومة مادياً تعرفت على شاب يقطن مؤقتاً في الحي الذي أسكنه ويكبرني كثيراً، أحد الأيام وخلال ملاحقته لي نشأت بيننا صداقة وتحولت في فترة قصيرة إلى حب أعمى، تقدم لخطبتي فوافقت أسرتي مباشرة تحت وطأة الظروف المعيشية الصعبة وحالة الفقر التي كنا نعاني منها. بدأنا نخرج سوياً إلى المطاعم والحدائق ونرسم سوياً مستقبلنا وكيف سيكون عش الزوجية الذي سيجمعنا تحت سقف واحد، وفي أحد الأيام أخبرني بأن والده في المشفى ويجب عليه الذهاب للاعتناء به ودعته على أمل اللقاء قريباً، ولكن مضى أسبوع على رحيله حاولت الاتصال به، مراراً وتكراراً ولكن دون جدوى حينئذٍ كرهت الرجال والحب وكل الناس حتى أهلي وصديقاتي .‏

د.ع /43/ عاماً أجهشت بالبكاء حين شاهدتني وقالت: اكتب ماتريد أنت تعرفني منذ أيام الدراسة الثانوية وتعرف قصتي جيداً نعم لم أكمل تعليمي بسبب الظروف الأسرية آنذاك بينما فارس الأحلام تخرج من الجامعة وهو يطلق الوعود الرنانة ويسمعني الكلام اللطيف، ألححت عليه فقال لي أرجوك اصبري أنت تعرفين الأوضاع يجب أن أؤمن فرصة عمل جيدة تكسبنا المال اللازم لبناء عش الزوجية خارج القرية فوافقت وصبرت. وفي أحد الأيام وعن طريق أحد أقربائي أمنت له فرصة عمل في إحدى دول الخليج حيث عمل هناك وجنى ثروة طائلة، وبعد سنتين من عودته أخبرني بأنه لايريد الارتباط بي لأنه لاينوي الزواج حالياً فتأسف لي بشدة متعذراً بتفاهات لاتصدق، وقتها انهرت تماماً ودخلت المشفى لمدة شهر كامل، لأن جميع أهل القرية يعرف بقصة الحب التي جمعتنا فبدأت سيرتي على كل لسان، فالقصة عمّت القرية وانتشرت فأصبحت غير مؤدبة بنظرهم وغير مرغوبة من الرجال بينما الرجل المخادع وقليل الوفاء يعتبر سلطان زمانه، وحتى مرغوب به أكثر من قبل نساء أخريات.‏

ظاهرة سلبية‏

يؤكد الباحث الاجتماعي حسين الديري بأن ظاهرة العنوسة من الظواهر الاجتماعية السلبية التي تؤثر على المجتمع وأفراده وخاصة الاناث، ساهمت في نشوئها أزمات ومشكلات الحياة المعاصرة بتطوراتها السريعة ومن الأسباب الرئيسية لوجود هذه الظاهرة منع الزواج ممن هو كفوء لها وخاصة إذا كان الخاطب أو طالب الزواج من ذوي الأخلاق والسيرة الحسنة وهذا يحرم المرأة من حقها بالزواج في الوقت المناسب، بالإضافة إلى رفع المهور في بعض المجتمعات الريفية لأنها موضع فخر وأحياناً متاجرة من قبل ولي أمر الفتاة ووجود تكاليف باهظة لشراء احتياجات مشروع الزواج وهذا مايثقل كاهل الراغب بالزواج ويعدل عن الفكرة، الأمر الذي يساهم في توسع وانتشار هذه الظاهرة التي لها آثار سلبية على الفتاة والأسرة والمجتمع ككل

الثورة