وبشكل غريب يفوق كل التوقعات، حتى يخيل لك أن ما تراه وتسمعه مجرد طرفة تبعث على البكاء والضحك سوية.
هؤلاء شحادون في النهار مقامرون ليلاً، وبمعنى أدق يقامرون بما شحدت أيديهم، كون الحياة (طعجتهم) كما يقولون، واكتملت المآسي بصيت (عاطل) أورثهم إياه السجن، ما جعل الآخرين ينفضون عنهم رافضين تشغيلهم في أي مهنة كانت، فاخترعوا لأنفسهم حياة خاصة، الغرابة تلف مجمل مناحيها، أما سكنهم المأجور والذي سنكشف عن هويته لاحقاً له حكاية لا تقل غرابة عن قصص شخوصه.
(روبن هود المساجين:
أنه أحمد ج رأس الخيط الذي أوصلنا إلى هذا العالم الغريب، رجل أمتهن التهريب وعمره خمسة عشر عاماً، حتى قيدت (الكلبشات) يديه ولمدة عقدين من الزمن، تعرف خلالها على سجين ميسور الحال قدم أحمد له الحماية وهو صاحب النخوة والعضلات المفتولة لتكون المكافأة ثلاثة غرف يقطنها الشحادون الآن مقابل أجر 100 ل.س على الرأس الواحد يومياً، وهنا يصر جوخدار على استرجاع ذكريات السجن عبر صور توثق جلساته المرفهة والغنية بلوازم السُكر (أنظري هذا قاتل وذاك مهرب) ليتابع حديثه عن رجال (زكرتاوية) جمعتهم صحبة السجن وما بعده أيضاً (نحن مظلومون أرغمنا الفقر على ارتكاب الممنوع وتعاهدنا على البقاء سوياً وحتى اللحظة لم ننكث بالعهد).
غير أن الصحبة لم تمنعه من أخذ عمولة بخسة من أرباح جلسات القمار التي تتم في مزرعته المأجورة، فالحياة لا ترحم كما الحكومة التي تنغص راحة المواطنين دائماً على حد قوله.
ولم يكن في جعبة أحمد المزيد، فانتهت جولتنا الأولى مع وعد قطعه بلقاء آخر يجمعنا بثلة من الشحادين في القريب العاجل.
الحكي غير الشوف:
ثلاثة أيام مرت لم تبارحني خلالها تخيلات ترسم صور عدة لهؤلاء الأشخاص حتى حان الموعد المنتظر، لأجد أمامي رجال بسحنات ضخمة وقد افترشوا الأرض استعداداً للبدء بجلسة قمار، وكان لابد من كسر الجليد بيننا الأمر الذي سهله مرشدنا أحمد بقوله: (يبدو أن غلة الشحادة محرزة اليوم) في الواقع الكلام غير الرؤية والتي تحرض بضع أسئلة من نوع "ما الذي يدفع رجال يتمتعون ببنية جسدية قوية للتنكر بزي الشحادين؟!" فيما القمار يفرغ جيوبهم من جديد، لغز غريب وحدهم يستطيعون فك رموزه، وها هو شيخ الكار أبو النور يبرر ما يفعله رجاله بقلة الحيلة فالشحادة على حد قوله هي المهنة الوحيدة التي يستطيعون مزاولتها دون أن يقف ماضيهم الأسود حائلاً دون ذلك، أما لماذا القمار؟! فنوع من التنفيس عن هموم أثقلت كواهلهم.
وطبعاً زعامة أبو النور تتطلب منه تقديم الحماية الكاملة للشحادين في حال ألقي القبض عليهم، وبالتالي دفع المبالغ المترتبة لإعادتهم إلى المزرعة مجدداً، معتمداً في ذلك على علاقات وطيدة تربطه ببعض رجال الشرطة (كما يزعم) والمهمة السابقة ينفذها مقابل 50% من مكاسب الشحادين اليومية واللذين ينعتهم بأسماء حركية فيما تبقى أسماؤهم الحقيقية طي الكتمان يرفضون البوح بها. (كل شيء في حياتنا محاط بالتكتم والسرية، حتى أشكالنا نغيرها لو رأيتنا صباحاً لعجزتِ عن معرفتنا).
فأبو عدنان يسوِّقُ نفسه كرجل عاجز مقطوع الساقين، محملاً قسوة والده وزر الحال الذي آل إليه حيث ظلمته الحياة بما يكفي لجعله سارقاً ومن ثم شحاداً ومقامراً.
يشاركه حاله هذا رجال عدة اقتسموا مزرعة أحمد ذات الوضع المزري والرغبة بالعيش كباقي البشر تنغص حياتهم وفقاً لأبو مالك (في كل يوم أحلم بزوجة وأولاد ولكن أمثالنا خلقوا للهم فقط).
ومن الغريب الذي لم يعد مستغرباً لدى هؤلاء امتناعهم عن رؤية عوائلهم منذ لحظة دخولهم السجن، فالعلاقات مقطوعة بينهم وبين سائر البشر وحدود عالمهم تبدأ وتنتهي في بضعة أمتار من بستان الربوة.
طرب حزين ومكتئب:
ضيف جديد حل على الشحادين يسّر له صوته الشجي البقاء بينهم، والديّة استعداده الدائم لتلبية أوامرهم بالغناء، فحيدرة مطرب المزرعة غير أن طربه يتشح بالسواد دائماً فيما (السميعة) ينصتون إليه والبؤس يعتمر ملامحهم، ولم يقطع انسجامهم سوى طلب ملح من أحدهم (أريد أغنية مجروحين)، تحول لاحقاً إلى مطلب جماعي في تأكيد منهم على أن الزمن خانهم وجرح أواصلهم، ما دفعهم للتفكير ألف مرة بافتعال المشاكل ودخول السجن كونه بمثابة فندق فاخر قياساً لحياة عرفت كيف تجردهم من إنسانيتهم، فمدوا أيديهم للغير وتحولوا لأشباه رجال يختبئون على مقربة منا، في مزرعة كانت الشاهد الوحيد على أسرارهم قبل وصولنا إليهم.