هل توافق على الزواج بفتاة / شاب تعرفت اليها على الانترنت ؟
لم تتحرك مشاعر الأمومة لديها مع حركاته الأولى كما يحدث مع كل أم في حملها الأول .. ولم تغمرها الفرحة والتفاخر مع بروز مظاهر الحمل وتقدمه كما يحدث مع مثيلاتها من النساء .. محاولات التخلص منه بسرية تامة باءت كلها بالفشل .. فكانت محاولات إخفاء الحمل عن الأعين المحيطة الحل البديل والأكثر سهولة.
مع كل يوم .. وكل شهر كانت معاناتها تزداد .. وآلامها تكبر .. وشعورها بالخزي والندم يستحوذ عليها .. وأكثر ما كان يعذبها هو كرهها له الذي كان يكبر بنموه في بطنها .. فكيف ستحبه وهو يذكرها كل لحظة بمن تخلى عنه وعنها وأنكر وعوده وكلامه المعسول .. وأهانها وطردها وهددها بفضحها ؟؟
وهاهي ساعة المخاض تباغتها وهي في مكان عام .. لقد حانت الساعة ولا مجال لتفادي الأمر أو تأجيله .. أسرعت إلى دورة المياه .. الآلام تتسارع وتزداد حدة .. وهي تكتم صرخاتها بكل ما أوتيت من قوة .. الآلام تزداد أكثر حتى ظنت أنها ستمزق جسدها .. دقائق كثيرة طويلة مرت عصيبة كأنها الجحيم بعينه .. وأخيراً سمعت صوت بكائه .. تلك الروح صارت الآن حقيقة ماثلة أمامها.
لم تجرؤ على النظر إليه .. وسارعت إلى وضعه في كيس بلاستيكي أحكمت إغلاقه .. وغادرت المكان بعد أن لملمت آلامها ونفسها .. لتلقي بالكيس في أقرب حاوية .... قمامة!!!
وتشاء القدرة الإلهية أن تكتب لهذا الطفل البريء الحياة .. فيجده أحدهم بعد دقائق قليلة وهو في حال تمزق القلب .. ليقوم بإسعافه إلى المشفى وإنقاذ روحه.
حادثة مثلها كثير مما نشاهد أو نقرأ .. أبطالها رجل وامرأة تخلى كل منهما عن دوره وواجبه وفرّ من إثمه وعاره .. محملاً روحاً بريئة لا ذنب لها وزر تخلّيه وإثمه.
إن وجود بعض الأطفال من مجهولي النسب نتيجة علاقة خارج إطار الزواج (أبناء الخطيئة) .. أو ثمرة زواج عرفي يصر أحد طرفيه على نكرانه أو زواج من أحد تلك الأشكال المستحدثة للزواج (أبناء الخطأ) .. ظاهرة تستحق الوقوف عندها ودراستها مليّاً .. إذ هي آخذة بالتزايد نتيجة العديد من الاختلافات والتبدلات التي طرأت مؤخراً على المنظومة الاجتماعية والأخلاقية .
ولو أردنا التوقف عند الجانب النفسي والاجتماعي فقط لهذا الأمر لوجدنا أن استقبال المولود في الظروف العادية يتم (غالباً) في جو من السعادة .. فينشأ الطفل في جو من الرعاية قوامها الأول وجوده في حضن والدته ورعاية وحماية والده .. وما يلبث هذا الطفل أن يكبر ويشعر بانتمائه لأسرة متكاملة وعائلة تحدد له هويته الأولى .. في حين أن الطفل الذي قدِم إلى الحياة نتيجة حمل غير شرعي (في حال التسليم ببقاء الطفل اختياراً أو إجباراً من الأم وأهلها لظروف متعددة) فيتم استقباله بحزن ومرارة ولا نبالغ إن قلنا برفض من المحيطين به إلى أن يكبر ليصطدم بواقع مرّ تغيب فيه هويته وانتماؤه .. فما الذي يتبع تلك النشأة من أثر نفسي؟؟ من خلال الاطلاع على دراسات متخصصة في المجال النفسي والاجتماعي ومن خلال ما نشاهد ونسمع حولنا وجدت أنه:
أثناء الحمل
تشعر الأم أن في أحشائها جنيناً تكوّن نتيجة علاقة خاطئة (خارج إطار الزواج) أو سريّة (كحالة الزواج العرفي أو حالات الزواج الجديدة المبتكرة) فتنتاب الأم حالة من التوتر تترافق بمحاولة للتخلص من حملها (أو محاولات) رغبة في إخفاء هذا الخطأ والتخلص من تبعات هذا الحمل .. فرفض الجنين من قبل الأم نفسياً يبدأ منذ المراحل الأولى من الحمل .. ويستمر غالباً حتى نهايته وقدوم الجنين إلى الحياة.
ومن المثبت علمياً أن مشاعر الأم تنتقل لجنينها عن طريق موجات هرمونية مختلفة وبالتالي فحالات الاضطراب ستنشأ لدى الجنين المتكون في أحشاء أم قلقة مضطربة .. إلى جانب أن شعور الأم برفضها للجنين سينتقل إليه فيؤثر في سلوكه إلى ما بعد الولادة ليصبح طفلاً وصل إلى الحياة مزوداً بمشاعر ثورة تزيد عن تلك التي لدى أقرانه.
الفترة اللاحقة للولادة
إن صراع الأم ومن حولها لتسجيل الطفل في الأوراق الرسمية والدوائر الحكومية المختصة .. واستخراج بيان قيد بالواقعة للتسجيل في دائرة النفوس (الأمر الذي يتطلب ذكر اسم الوالد الرافض للأمر وغير المعترِف به) وما يلحقه من لجوء ربما للمحاكم وسواها .. كلها سبل تؤثر على نفسية الأم والأهل وقد تترافق بمحاولات لنبذه خارج محيط الأسرة .. كمحاولة رميه على رصيف ما .. أو وضعه بجانب أحد الملاجئ أو دور الأيتام .. وفي حالة إبقاء الطفل في كنف الأسرة فإنه سيواجه شعوراً بالرفض متبوعاً بالإهمال ورغبة في التخلص منه مما سيخلق لديه نزعة عدوانية تجاه أولئك الرافضين له المهملين لوجوده.
فترة الطفولة:
لا يمكن أن يتمتع هذا الطفل بما يتمتع به أقرانه من حياة طبيعية .. وذلك أيضاً بسبب الحالة النفسية التعيسة للأم (باعتبارها الحاضن الوحيد للطفل) .. التي لا تنفك تحاول أن تستجدي الأب الحقيقي لطفلها للاعتراف به وإثبات نسبه .. وهي في حالتها هذه تعاني من نظرة اجتماعية صعبة إذ ألحقت عاراً بنفسها وبطفلها .. ولن تتوقف تلك النظرة الجارحة عند الأم بل ستلحق بالطفل أيضاً .. كما سيلحظ الطفل في سنوات الدراسة أن رفاقه يتمتعون بحياة طبيعية حيث آباؤهم يشكلون لهم حصناً يحميهم ويغدق عليهم الهدايا والألعاب في حين لا حول له إلا أماً مرفوضة منبوذة.
فترة المراهقة والشباب:
يزداد الأمر صعوبة في هذه الفترة عندما يتيقن المراهق من مجهولية نسبه ويشعر معها بأن أزمة هوية تحيق به .. فهو يفتقد إلى أصل هويته ويجهل أباه فلا يعرف تحديداً لانتمائه كمن يقف على أرض مرنة .. في حين يجد كل من حوله ينتمي إلى والد معلوم يحدد هويته العائلية .. فالجهل والغموض الذي يكتنف الهوية يجعل الفرد عرضة لبناء نفسي هش .. إلى جانب أن نظرة المراهق لأمه ستكون مشتتة متناقضة .. فهي من جهة عنوان انتمائه الوحيد المشوب بنقص .. ومن جهة أخرى ستكون سبباً للعار الذي يلاحقه ونظرة الازدراء من الآخرين تجاهه.
وهنا لابد أن نشير إلى أن الازدواجية في المشاعر تكون أيضاً لدى الأم تجاه ابنها .. فإلى جانب عاطفة الأمومة وحبها لولدها تشعر الأم أن هذا الابن هو العنوان العريض لخطيئتها (في حال كونه ابناً لعلاقة غير شرعية) أو خطئها (عندما يكون من زواج عرفي غير مثبت أو شكلاً من أشكال "الإستزواج" إن جاز التعبير) .. وستكون صورة هذا الولد في نظر أمه مشوبة بالاستياء فهو جزء من ذلك الأب الذي استغلها وتركها تواجه الأمر وحدها.
وقد أكدت الأبحاث أن الطفل مجهول النسب (غالباً) يعاني من اضطرابات في السلوك والانفعال نتيجة ما واجهه في حياته .. فقد ينشأ حاد الطباع .. عدوانياً .. يميل إلى السرقة .. ويواجه صعوبات في التعلم .. وتشير الدراسات النفسية إلى (الاكتساب) حيث يكتسب هذا الولد بعضاً من الصفات المرضية في سلوك أمه وشخصيتها فهو يجنح إلى المخاطرة وضعف التقدير لعواقب الأمور (حسب دراسة من قبل علماء من جامعة بيتسبورغ و جامعة كارنيجي حيث أوضحت الدراسة أن لرحم الأم دور تصل نسبته إلى 34% من ذكاء الطفل .. وعامل الوراثة إلى 50% .. بينما تكون نسبة 26% للبيئة التي ينشأ فيها).
إن الانعكاسات السلبية الكبيرة التي يعاني منها الطفل مجهول النسب تمتد كذلك إلى مرحلة الشباب .. وقد يقف هذا الأمر عائقاً أمامه يحول دون تحقيق الكثير من أحلامه وأهدافه .. كالزواج مثلاً حيث تتضاءل الفرص أمامه إن لم تنعدم أصلاً .. فالشاب سيجد صعوبة بالغة في الارتباط بفتاة أحلامه أو بفتاة ذات نسب طيّب .. إذ من سيرضى أن يربط مصير ابنته ونسب أبنائها بشاب مجهول النسب أمه امرأة تهاونت وفرطت بشرفها؟؟ .. أما بالنسبة للفتاة فهو أشد صعوبة إذ ترث ذنب أمها في نظر المجتمع التقليدي الذي لا يرحمها وينظر إليها على أنها لابد "ستكون كأمها" .. وحتى إن تجاوز الشريك أو الشريكة عن هذه الحقيقة وتحدى المجتمع ونظرته وارتضى أن يربط مصيره بذلك الشاب أو الفتاة مجهولي النسب .. فإن هذا التحدي سيستنزف الكثير من طاقات الطرفين .. ويبقيهما غالباً تحت الأضواء التي تترصدهما وتراقبهما.
وهنا نصل إلى السؤال المهم في هذه الحالة: هل يحق للمجتمع أن يعاقب الطفل (أو الفرد عند نشأته) بهذه الصورة؟؟ .. هل في توريث ذنوب الآباء أبناءَهم من قبل المجتمع عدل وحق؟؟ .. وهل ينبغي نبذ هذا الطفل اجتماعياً وأخلاقياً لمجرد افتقاره إلى الهوية الكاملة؟؟ .. أم أن نتعامل معه كإنسان يشبهنا يمكن قبوله أو رفضه تبعاً لتصرفاته وأفعاله وصفاته الأخلاقية وردات فعله الشخصية؟؟
أعتقد أن هذا الفرد (الإنسان) قد أصبح بيننا دونما ذنب اقترفه .. ويحق له أن يعيش بيننا كواحد منّا .. ولابد أن تُبذَل الجهود لحمايته ورعايته مما قد يعيد التوازن إلى نفسيته و يحفظ كرامته فينسى آلامه ويضمد جراحه ويتهيأ ليكون فرداً طبيعياً .. وعلينا أن ننظر إليه نظرتنا للآخرين الذين قدِموا هذه الحياة في ظروف طبيعية وألا نقرّعه على ذنب ما كان من ارتكابه ولا اختياره.